ابن قيم الجوزية

44

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يثبتون مع اللّه خالقا آخر ، وإن لم يقولوا : إنه مكافىء له . والقدرية المجوسية تثبت مع اللّه خالقين للأفعال ، ليست أفعالهم مقدورة للّه ، ولا مخلوقة لهم . وهي صادرة بغير مشيئته . ولا قدرة له عليها ، ولا هو الذي جعل أربابها فاعلين لها ، بل هم الذين جعلوا أنفسهم شائين مريدين فاعلين . فربوبية العالم الكاملة المطلقة الشاملة تبطل أقوال هؤلاء كلهم . لأنها تقتضي ربوبيته لجميع ما فيه من الذوات والصفات والحركات والأفعال . وحقيقة قول القدرية المجوسية : أنه تعالى ليس ربّا لأفعال الحيوان ، ولا تناولتها ربوبيته . وكيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه ؟ مع أن في عموم حمده ما يقتضي حمده على طاعات خلقه . إذ هو المعين عليها والموفق لها . وهو الذي شاءها منهم ، كما قال في غير موضع من كتابه : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] فهو محمود على أن شاءها لهم ، وجعلهم فاعليها بقدرته ومشيئته . فهو المحمود عليها في الحقيقة . وعندهم : أنهم هم المحمودون عليها ، ولهم الحمد على فعلها . وليس للّه حمد على نفس فاعليتها عندهم ، ولا على ثوابه وجزائه عليها . أما الأول : فلأن فاعليتها بهم لا به . وأما الثاني : فلأن الجزاء مستحق عليه استحقاق الأجرة على المستأجر . فهو محض حقهم ، الذي عاوضوه عليه . وفي قوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] رد ظاهر عليهم . إذ استعانتهم به إنما تكون عن شيء هو بيده وتحت قدرته ومشيئته . فكيف يستعين من بيده الفعل وهو موجده ، إن شاء أوجده وإن شاء لم يوجده ، بمن ليس ذلك الفعل بيده ، ولا هو داخل تحت قدرته ولا مشيئته ؟ . وفي قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) [ الفاتحة : 6 ] أيضا رد عليهم . فإن الهداية المطلقة التامة هي المستلزمة لحصول الاهتداء . ولولا أنها بيده تعالى دونهم لما سألوه إياها . وهي المتضمنة للإرشاد والبيان ، والتوفيق والإقدار ، وجعلهم مهتدين . وليس مطلوبهم مجرد البيان والدلالة ، كما ظنته القدرية . لأن هذا القدر وحده لا يوجب الهدى ، ولا ينجي من الردى . وهو حاصل لغيرهم من الكفار ، الذين استحبوا العمى على الهدى ، واشتروا الضلالة بالهدى . النوع الثاني : أهل الإشراك به في إلهيته . وهم المقرون بأنه وحده رب كل شيء ، ومليكه وخالقه ، وأنه ربهم ورب آبائهم الأولين ، ورب السماوات السبع ، ورب العرش العظيم . وهم مع هذا يعبدون غيره ، ويعدلون به سواه في المحبة والطاعة والتعظيم . وهم الذين اتخذوا من دون اللّه أندادا . فهؤلاء لم يوفّوا إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] حقه ، وإن كان لهم نصيب من ( نعبدك ) لكن ليس لهم نصيب من إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] المتضمن معنى : لا نعبد إلا إياك ، حبّا وخوفا ورجاء وطاعة وتعظيما ، ف « إياك نعبد » تحقيق لهذا التوحيد ، وإبطال للشرك في الإلهية ، كما أن « إياك نستعين » تحقيق لتوحيد الربوبية ، وإبطال للشرك به فيها ، وكذلك قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) [ الفاتحة : 6 ، 7 ] فإنهم أهل التوحيد ، وهم أهل تحقيق إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] وأهل الإشراك : هم أهل الغضب والضلال .